الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

381

المنقذ من التقليد

انّ المرجع بذلك إلى الدواعي . ولو كان الأمر على ما ذكرتموه لما جاز اختلاف المكلّفين في ذلك ، وقد علمنا اختلافهم فيه ، كالمقيم والمسافر والحائض والطاهر ، وكما علمنا من مخالفة شرعنا الشرائع الأمم السالفة . قلنا : غرضنا بما أوردناه أن نبيّن أن ما يدعو بعض الناس إلى شيء يجوز أن يدعو سائرهم إليه ، وأن كون شيء واحد داعيا لجميعهم لا يجرى مجرى اجتماعهم على التزيّي بزيّ واحد وتناول طعام مخصوص اتفاقا من غير جامع ، ولم نوجب فيما يدعو بعض النّاس إلى شيء أن يدعو سائرهم إليه ، ولا فيما يدعو في بعض الأوقات أن يدعوا في سائرها ، بل نجوّز الاختلاف في ذلك ، لاختلاف الطبائع والعادات ، الا ترى أن من الناس من يصحله اللطف ومنهم من لا يصلحه إلّا العنف . وكذلك القول في الصحّة والمرض والغنى والفقر وحصول اللطف فيها ، وقد تكون هذه الأمور لطفا في وقت دون وقت آخر . فإن قيل : كيف تقولون هذه الشرعيّات مصالح وألطاف لنا والمرجع بالمصلحة واللطف إلى الدواعي وما يقوّيها والداعي هو ما عليه القادر الفاعل من كونه عالما ومعتقدا أو ظانّا ، والصلاة وغيرها من الشرعيّات ليست من قبيل هذه الأحوال ، فكيف تعدونه ألطافا . قلنا : الغرض بذلك أنّ علم الفاعل بأداء هذه العبادات والشرعيّات أفعالا وتروكا يدعوه ويصرفه ، فلا يبعد أن تعدّ هذه الشرعيّات ألطافا ، لأنّ ما لا يتمّ اللطف إلّا به لا يمتنع أن يعدّ لطفا كما يقال : إن حسن الفعل وحصول النفع فيه داع إليه ، وحصول الضرر فيه صارف عنه ، والمقصود منه أنّ علم الفاعل بذلك من حال الفعل أو اعتقاده أو ظنّه يدعوه ويصرفه . فإن قيل : كيف يصحّ ادّعاء أن العلم بأداء هذه الشرعيّات داع لنا إلى الواجبات العقليّة وصارف عن مقبّحاتها ومن شأن الداعي والصارف أن يجدهما القادر من نفسه حتى إذا فعل فعلا ، لمكان داع فانّه يجد من نفسه أنّه إنما